الهوس بالترند: من ضجيج اللحظة إلى مسؤولية الوعي…
كتبت:أمل حسن
وسيط اليوم
الإثنين 1 سبتمبر 2025
في عصر السرعة الرقمية صار الترند أكثر من كلمة تقنية، إنه آليةٌ تفرض إيقاعها على اليومي وتعيد رسم أولويات المجتمعات بطريقة لم تعرفها وسائل الإعلام التقليدية. ما كان في السابق نقاشًا يستدعي زمنًا للتفكير صار مادة لقفزة قصيرة من الانتباه يتم تداولها على نطاق واسع، ويكفي أن يتكرر هاشتاغ أو مقطع ليصبح معيارًا مؤقتًا للصدق والأهمية.
في هذه السرعة تكمن مشكلة أعمق من مجرد ضجيج إلكتروني وهي إعادة تعريف قيمة المعرفة نفسها بحيث لا يعود معيار الصلاحية عمق الحجة ودقتها، بل معدل الانتشار وسرعة التفاعل. الناتج مجتمع يركض خلف الضوء ويتساءل بعد ذلك عن مصداقيته ونفوذه.
لا نغفل أن الترند له منافع حقيقية، ففي لحظاتٍ محددة أثبت قدرته على دفع اهتمام عالمي نحو قضايا إنسانية عاجلة فأنقذ ذلك أرواحًا وجمّع موارد بسرعة لم تكن لتتوفر عبر القنوات التقليدية. الترند منح صوتًا لمن كانوا مهمشين ومكّن حركات مدنية صغيرة من الوصول إلى جمهور لم يكن ليطلع على قضيتها لولا التدفق الرقمي.
كما أصبح أداة عملية للمنظمات غير الحكومية والحملات التوعوية التي تحتاج زخمًا فوريًا لتفعيل استجابة مجتمعية أو إنسانية.
لكن الفائدة هذه لا تغطي الضرر المتزايد الناجم عن سرعة الترويج التي تسبق التحقق. عندما يقف الانفعال قبل الصرامة في التحقق تتحول الشائعة إلى حقيقة شائعة عبر تكرارها، وتصبح الوقائع القصيرة سرديات متهافتة تغذيها إعادة النشر فتصبح المعرفة السائدة نتاجًا للترويج لا نتيجة بحث أو تدقيق. أمام هذا الإيقاع العنيف تتضاءل قيمة المؤسسات البحثية والصحافة الاستقصائية لأنهما يحتاجان إلى وقت ومناهج لا تتوافق مع موجات الترند القصيرة، فتخسر الثقافة العمق وتتحوّل إلى مقتطفات سهلة الهضم بلا هضم حقيقي.
الهوس بالترند لا يكتفي بتآكل الرصيد المعرفي بل يمس نفسية الأفراد، حيث يتحول سلوك البحث عن الظهور إلى معيار لقياس الذات. تتراجع قيمة الانتماء والجدوى أمام أرقام المشاهدات والإعجابات وتتولّد هويات مبنية على زخمٍ عابر. هذا التأثير النفسي يولد قلقًا مزمناً لدى من يربطون تقديرهم الذاتي بردود فعل الجمهور الرقمي، ويضعهم في حالة دائبة من الترقّب وحاجة للتجدد المستمر.
أما أخلاقياً فإن سعي البعض وراء الترند يدفعهم أحيانًا إلى استغلال المآسي، أو انتهاك خصوصية الآخرين، أو تحوير المعاناة البشرية إلى محتوى مربح، فتسود مناخات استهلاكية للمشاعر تقوّض الكرامة الإنسانية.
على المستوى السياسي والاقتصادي، صار الترند أداة يمكن استغلالها لصناعة رأي عام مصطنع عبر حملات ممنهجة، وهو ما يمثل خطرًا على العملية الديمقراطية لأن القرار العام يتأثر بموجات رقمية قد تكون مدفوعة بمصالح تجارية أو سياسية بدلاً من أن تستند إلى حوار عمومي ناضج. كما أن اقتصادات الانتباه حولت المحتوى إلى سلعة، ما يعني أن مَن يملك أدوات التضخيم يملك قدرة على تشكيل الواقع الإعلامي بطرق لا تتوافق بالضرورة مع المصلحة العامة.
ومع كل ذلك يبقى الترند أداة محايدة بطبيعتها، يمكن أن تكون قوة إصلاحية إن وُظّفت بحكمة.
لعلّ التحدي الأكثر واقعية هو كيف نعيد تأطير العلاقة معه بحيث يستمر في منح الصوت للمهمشين وتحفيز العمل الجماعي دون أن يحوّل النقاش العام إلى استهلاك لحظي. الحل يبدأ على مستوى الفرد عبر ثقافة التمهل والتحقق قبل المشاركة، وممارسة الانتباه النقدي الذي يميّز بين الخبر المؤكّد والشائعة.
يبدأ في المدارس بتعليم مهارات الثقافة الإعلامية والتفكير النقدي مرافقاً لتعلّم مهارات استخدام الوسائط الرقمية وليس استخدامها فقط.
أما على مستوى المنصات الرقمية فيتطلب الأمر مزيدًا من الشفافية في خوارزميات الترويج وإتاحة آليات توضيحية للمستخدم عن سبب ظهور محتوى ما أمامه، كما يتطلب تشريعات حكومية ذكية تحاسب التضليل دون المساس بحرية التعبير.
وعلى مستوى الإعلام والمؤسسات المعرفية فثمة حاجة إلى تعزيز نموذج الصحافة البطيئة التي تكرّس زمن البحث والتحقق، وإلى دعم مبادرات تعنى بالاستدامة المعرفية لا بالقفزات العددية.
ختامًا هناك مساحة لبدائل عملية قابلة للتطبيق منها إطلاق حملات “ترند بطيء” أي حملات تمتد بعناية أسابيع أو أشهر لبناء وعي مستدام وتقويم سلوكيات بدلاً من استهداف ذروة ضجيج عابرة.
كما يمكن للمجتمع المدني والقطاع الخاص أن يتعاونوا على تمويل مبادرات محتوى طويل الأمد يرتكز على البحث والوثائقية والتعليم.
الترند يعكس عطشنا للتواصل ورغبتنا في أن يكون لصوتنا حضوره.
لكن المرآة التي تكشف عنا لا يجب أن تقودنا إلى الانغماس في الضوء وحده بل إلى سؤال أعمق عن الغاية. إن ضميرنا الجماعي هو الذي يحدّد ما إذا كان الترند سيبقى مجرد ضجيج أو سيصبح أداة للتغيير المستدام، وعبر قرار واعٍ يجمع بين فرد ومؤسسة وُقعنا على طريقٍ نعيد فيه استخدام الضوء لصناعة مجتمع أكثر عمقًا وإنسانية.








