وسيط اليوم

جريدة الكترونية عربية

أسامة حراكي يكتب: عمر الذاكرة أطول من عمر الأحلام

أسامة حراكي يكتب: عمر الذاكرة أطول من عمر الأحلام

أؤمن تماماً بأن الحب ليس معجزة ولا هو صانع المعجزات، فهو يتكرر آلاف المرات، فالحب أوهن من الدفاع عن حق قلوب في البقاء، أضعف من توفير وساده لعاشقين يحترقان شوقاً، فالو كان الحب صانع المعجزات لما أطلقت حكايات الحب سراح أبطالها بعد أن انغمسوا في تفاصيلها، وما فصلت التصاقهم بعد أن التحموا حباً كالجسد الواحد.
اليوم أتذكر من أحببت، الحب الذي كان بالنسبة لي حلم، حلم ذاب كقطع السكر في كأس الحياة، فعالم الأحلام نحن من نصنعه ونضع أساساته ونشيد بنيانه ونخطط طرقاته، ونحن من نرسم أشجاره وجباله وبحاره، حتى سكانه نحن من نختارهم، فلم افقد إيماني بالحلم الجميل، لكني فقدت إيماني بوجود امرأة تستحق أن تنحني لها قامة رجل شامخ ليمنح جسدها الدفء والاهتمام، حيث كانت هناك أمور تراها هي تافهة وتمر عليها مرور الكرام، لكنها تعني الكثير، الكثير الذي لا يقاس بمقدار ولا بكمية العصير المتبقي في قاع كأسها، ورسوماتها المرسومة على لوحاتها، وعطرها المتبقي في الطرقات، وهمسات صوتها وضحكاتها.

فقد كانت حكاية حبي معها كزوجة أب تمارس عليَ من العذاب والهوان ما لا طاقة لي به، لهذا أحاول أن ينحصر خيالي بها في دائرة حضورها أمامي، وألا يتجاوز إلى ما بعد رحيلها، فلا شأن لي بعالمها الخاص، فبعد إسدال الستار الأخير على الحكايات لا يتبقى هناك ما يقال، فحوارات ما بعد الفراق أشبه ما تكون بالعبث بجثة عزيز، أو أشبه بلعبة كرة القدم يتنافس أطرافها في رمي الكرة بعيداً عن مرماهم، فالكل يحرص بعد الفراق على أن يمضي متقناً دور المظلوم والمجني عليه، لربما هذا الشعور يساعد على البدء في بداية جديدة بشكل أسرع.

لكني لازلت أذكر لحظة فرقنا حين غادرتها وأنا أضع يميني على قلبي ويسراي تحاول التحكم بمقود السيارة، ودموع عيني تحجب عني الرؤية، ليست المرة الأولى التي أتجول فيها في طرقات المدينة وغزير الدموع يحجب الرؤية عني، وليست المرة الأولى التي أقف فيها على النيل وفي قلبي صرخة حزن لايسمعها سواي، ليست المرة الأولى التي يحترق فيها قلبي، وليست المرة الأولى التي تلوح بها يميني على محطات الوداع مودعة قطعة من الروح، وليست المرة الأولى التي أحاول أن أرفرف بها عالياً في اتجاه قامة أحلامي ويخذلني وهَنُ أجنحتي، وليست المرة الأولى التي أعود فيها للبيت مكتوف اليدين لكي لا يلمح أحد حجم الكسر في جناحي، ليست المرة الأولى التي أتسلل فيها لشقتي وأغلق الباب بالقفل مرتين متتاليتين وكأن مرة واحدة لاتشعرني بالأمان لكي أمارس حزناً وبكاءً في السر.

والآن اطالع كل يوم صورك، واستمع للأغاني التي كنا نسمعها معاً وأكثرها للسيدة فيروز، فحين أسمع “أنا لحبيبي وحبيبي إلي” تهتز ضلوعي بشدة وتتسلل لقلبي الذكرى بلا استئذان وتحاصرني عيناكي، وحين أسمع “كيفك انت” تبعثرني وأتحسس وجه الحنين إليكِ، وأمسح دموع وتحشرج السؤال الحاد في فمي حتى أغص به، كيفك أنت؟ آه ياأنت، وحين أسمع “أنا وشادي” أرتعب، فأنتي كنتي لي كل أصدقائي ورفاقي، وحين انفرطتي من عقد أحلامي، انفرطت بعدك كل الأحلام، وتناثرت بعدك تفاصيل القصص كحبات العقد أمامي، وحين أسمع “بكتب اسمك ياحبيبي ع الحور العتيق …وهديتني وردة فرجيتا لصحابي” أتذكر الفراق وكيف أصبحت الوردة صديقة لصيقة عند الحنين، فليس كل الهدايا بعد انتهاء القصص تنتقل إلى مرحلة الأطلال، فبعض الهدايا نتحول نحن أمامها إلى أطلال، وأتابع “بحكي عنك ياحبيبي لأهالي الحي بتحكي عني ..لنبعة المي” فأجد أن أهالي الحي رحلوا منذ زمن، ومنابع المي جفت من زمن، فلمن سأحكي عن قصتنا، ومن سيقول لي أن هذا نصيب، وحين أسمع “يا مرسال المراسيل” أجد حولي قيود وعراقيل كثيرة، فلا مرسال بيني وبينك يحفظ السر والأمانة، وكأن هذا العالم ما اخترع يوماً صناديق الرسائل ولا طوابع البريد، وأسمع “ونطرتك ع بابي بليلة العيد” وأنا نطرتك ع بابي بكل الليالي لا أنتي مررتي بي ولا حتى العيد، وأحببتك في أول الشباب ومنحتك منه أخضره وأنضره، وغبتي عني في أخره ومنحتيني منه أصفره وأوهنه، وأسمع “شو بيبقى من الرواية، شو بيبقى من الشجر” فتكسرني فلا شيء يبقى، فالروايات حين تكبر تشيخ وتشيب كالإنسان، وأسمع في الشتاء “رجعت الشتوية” فأتألم فالشتاء عاد بكل طقوسه ولم تعودي أنتي، وحينما أسمع “انسرقت مكاتيبي” أقول بعض الحكايات تسرق العمر كله يا فيروز، وتكون كالمحرقة لا تخلف إلا الرماد، وحين أسمع “راجعين يا هوى راجعين” أقول مر العمر يا فيروز لا هم عادوا، ولا نحن غادرنا محطات الانتظار، وحين اسمع “بعدك على بالي” أرتبك، فهذه الأغنية تضيء خلوتي في ركن النسيان، فأتلفت حولي أواري عمن حولي عورة قلبي، فكم طرت بأجنحة النسيان في فضاء التبلد بعدكِ، وكم غبت في أكاذيب النسيان أمامهم وكنتي أنتي أول من صدق أكذوبتي وغيبوبتي، فللنسيان غيبوبة ضبابية، وإغماءة لا نفيق منها إلا بهزة قوية، كهزة صوت فيروز الأتية بالحنين من زمن التفاصيل التي تغفو بنا مرهقة من شدة التكرار ولا تموت، فحين نكثر الحديث عن النسيان فنحن نحاول أن نحكي حكاية انتصارنا على انكسارنا، فالذي ينسى لا يهتم بإعلان النسيان كثيراً، والذي ينسى لا يكثر من سباب الأمس ولا يقذف التفاصيل باللعنة ولا يغتاب الذكرى الجميلة، ومادمنا نهتم ونلعن ونغضب فنحن مازلنا نتذكر ومازلنا نتألم ومازلنا قيد حنين.

كنتي تقولين لي أنت في قلبي، وكنت أعلم أنك تحمليني في جيب قلبك المثقوب، والجيوب المثقوبة لا تحتفظ بما فيها طويلاً، لذلك كنت أعلم أني سأسقط من جيبك سهواً ويوماً ما ستطلق قصتنا سراحي، بعد أن تهديني طرقاً مختلفة ليمضي كلاً منا في طريق معاكس، فأحدنا سيعطي ظهره للآخر باختياره دون أن يكثر التفكير في ما بقي خلف ظهره من ركام إنسان، لذلك كنت ألهث كل ثانية معكِ، أحاول أن أنتهز كل فرصة تمنحها الظروف لي كي أكون بجانبك، وكان لدي رغبة بتعطيل كل منبهات العالم كي أقضي عل كل رنين قد يوقظني منكِ، والتخلص من كل ضجيج يحرمني منكِ برغم يقيني أن كل منبهات الحب تدق بلا توقيت، ولكن لكل شيء نهاية والموت النهاية العظمى لكل الأشياء، وفي الحب الموت هو النهاية الأرقى برغم قسوتها، والموت نهاية لا أريدها ختام حكايتي معك، أو على الأقل ليس الآن لأكتفي منكِ ولو خيالاً، فمازال لكي في جعبتي من الحب الكثير وأجهل أي قدر مبصر يأخذني إلى طريقك، يقودني كالأعمى إليكِ، يخلع عني حذائي ويجعلني أسير على طريقك الزجاجي المتكسر حافي القدمين، ولا أعرف أن أعود لأني أضعت منذ أن رأيتك خارطة طريقي، أصبحت كالممسوس بكِ، أقرأ آيات الله على قلبي كي أحرقكِ بي، فلا داخلي ولا خارجي يتسع لكِ، وأخلف حولي وخلفي الكثير وأتجه نحوكِ، متجاهلاً كل الأصوات فلا طاقة لي بصوت يوقظني منكِ، أخبرتك سابقاً أن عمر الذاكرة أطول من عمر الأحلام وسينتهي الحلم يوماً وستبقى الذاكرة، فاختبئي في أقصى مكان في ذاكرتي وتعمقي بي، فبعض الوجوه نحبها كثيراً، نفتقدها ونحن إليها كثيراً، لكننا لا نملك حيالها سوى النسيان حين تكون الذكرى حجر عثر في طريق العمر.

أصبحت في حالة هذيان بكِ تعريني أمام الأصدقاء، الذين أدين لهم بكل سعادة مررت بها من بعدك، فقد كانوا صبورين عليَ لأقصى حد وطيبين جداً، إذا كان ثمة من أنقدني من انهياري وأخرجني من وحدتي فقد كان هم، فمعهم اقتربت أخيراً من باب الخروج من كهف حكايتك، فبعض النور بدأ يتسلل إليَ وأظنني على بعد خطوات قليلة منه، وكأني أستيقظ الآن من حلم ليلة طويلة، فأحلامنا هي التي تمتد بنا وليس الليالي، فبعض الأحلام ليلة وبعض الليالي حلم، أفتح عيني الآن بلا ضجيج وبلا رنين، فلم يعبث أحد بمنبه أمني فأنا استيقظت بلا رنين، لأكتشف خديعة الشتاء ووهم البرد والمطر، فالسماء لم تكن تمطر والشتاء لم يكن قارساً سوى في حكايتك، ففي الحلم عشت معك حكاية شتائية الطقوس، فقد كان المطر في الحلم يبللني فكنت ألجأ إلى الاختباء تحت معطفكي وأنا أغني “قديش كان في ناس عالمفرق تنطر ناس، وتشتي الدني..”
بدأت أسمع دقات قلبي وبدأ التعب يتسلل إليَ أكثر مما أتخيل، وبدأ حزني يزداد لأنكِ أصبحتي مجرد فكرة لمقال، عفواً أنا لا أقلل من حجمك فيَ، أنا فقط أعيد ترميم شروخ جدران قلبي، فكلنا لجأ لعالمه المفضل له، أنتي لجأتي للنسيان وكأن شيئاً لم يكن، وأنا لجأت للكتابة، كان النسيان عالمك الذي عشتيني فيه، وكانت الكتابة عالمي الذي عشتك فيه، وقد تتحول هذه المشاعر يوماً إلى رواية، وقد تقع الرواية بين يديكِ يوماً فتقرئيها من دون أن تدركِ أن بطلتها كانت، أنتي.

Follow by Email
Instagram
Telegram
WhatsApp